عبد الرحمن بدوي
332
أرسطو عند العرب
هذا الجوهر مفرد عن الجوهر المحسوس فإنما ندل على اختلاف ما بين الجوهرين . وذلك أنّا لما توهمنا أحد هذين الجوهرين غير متحرك ولا متغيّر أصلا ولا يقبل بوجه من الوجوه شيئا من الاستحالة ، لا من غيره ولا من ذاته ، وجدنا جميع هذه الأشياء التي هي من الجوهر « 1 » المحسوس : مرة تكون بحال ، ومرة تكون بأخرى - كان من الصواب أن نتوهم أن ذلك الجوهر المعقول مفرد عن المحسوس مباين له حتى لا توجد بينه وبينه مشاركة البتة ، لا في طبع ولا في عرض من الأعراض . وغرضنا في هذا القول إنما هو الكلام في هذا الجوهر الأول الذي لا يتحرك ، وأن نقتصّ جميع ما توهمه فيه من كان قبلنا . والذي توهمه أولئك فيه أن بعضهم قسّم هذا الجوهر قسمين ، وبعضهم جعلوا طبيعته واحدة . أما الذين قسّموه قسمين فهم الذين قالوا إن الصّور والأبعاد التعليمية هي الجواهر المعقولة قبل الجواهر المحسوسة ، وأنها مبادؤها . وأما الذين جعلوا الجوهر المعقول واحدا فمن ظنّ أن الأبعاد التعاليمية هي الجواهر وألغى أمر الصور . فأما الجوهر المحسوس فإنما كان يحتاج فيه إلى العلم الطبيعي ، لأن ذلك الجوهر بأسره لا يخلو من الحركة . وأما هذا الجوهر ، فكأنه يحتاج إلى علم أشرف من العلم الطبيعي وذلك أنه ليس بين الجوهرين مشاركة في شئ من الأشياء أصلا : لا في حدث من الأحداث ، ولا في مكان ، ولا في زمان ، ولا في تغيير من أنواع التغيير ، ولا في نشوء ولا في تنقّص : ولا لهما أيضا مبدأ واحد « 2 » عنه حدثا ؛ لكن الأول لا مبدأ له أصلا ، والثاني إنما مبدؤه الجوهر الأول . ولا يعلمان أيضا علما واحدا : إذ كان أحدهما محسوسا ، والآخر معقولا والجوهر الذي لا يقبل التغيير ولا يتحرك ، أدلّ بالطبع للجوهر المتغير الجاري كما يجرى الشئ السّيال . وأما نحن فلما كان أكثر ما فينا مجبولا من الجوهر المحسوس صرنا نتكلم في هذا الجوهر أولا لمجانسته لنا ومشاكلته إيانا . وقد تكلمنا فيه كلاما بالغا في كتاب « العلم الطبيعي » ، فبيّنا أن كل جوهر محسوس لا يخلو من أن يكون متغيّرا : فإن تغيره يكون من الأضداد إلى الأضداد . وليس شئ من التغير يكون من كل الأضداد ، لكن من الأضداد المشاكلة
--> ( 1 ) ص : الجواهر . ( 2 ) ص : واحدا .